لماذا ولاية أخرى لحزب الدعوة؟

كتب: فاضل النشمي

الولاية الثانية لرئيس الوزراء حيدر العبادي، إن حدثت، تعني ولاية خامسة لحزب الدعوة الإسلامية الذي ابتدأت ولاياته بالجعفري عام 2005، وتعني أيضاً أن فترة هيمنة هذا الحزب على الدولة العراقية ستناهز الـ17 عاماً، بفارق سنوات قليلة عن حكم صدام حسين الفعلي (1979-2003).  

 

إن أي حزب يحكم كل هذه الفترة، مهما كان حقيقياً وناجحاً، سيعرّض مسألة حيوية الحكم وصناعة القرار وتبادل السلطة إلى الصدأ والتصدّع الخطيرين، وغني عن القول إن تجربة "الدعوة" غير مشجعة، إن لم نقل إنها كارثية، كما يذهب إلى ذلك جميع خصومه.
إن حكم الحزب، أي حزب، لأكثر من عقد ونصف العقد، يكرّس مقولة "حكم الحزب الواحد" وإن كان بطريقة ديمقراطية مخاتلة، ويحرم بقية الأطراف السياسية المنافسة من فرصة قيادة البلاد وطرح نموذجها في الإدارة الذي قد يكون أفضل وأكثر فائدة بما لا يقارن مع نموذج الحكم الذي طبقه الدعوة.
بغض النظر عن نوعية "الدعاة" الذين تسنّموا منصب رئاسة الوزراء، فإن الأمر الذي ربما لم نلتفت جميعنا إليه، هو أن صراعات "الأجنحة" في حزب الدعوة، غالباً ما ألقت بظلالها القاتمة والضارة على الدولة العراقية عموماً، وعرقلت نموها وفوّتت عليها فرصاً كثيرة للتقدم باتجاه البناء ومكافحة الفساد.
لنأخذ مثلاً، هيئة الإعلام والاتصالات وشبكة الإعلام العراقية، وما يفعله "صراع الأجنحة" داخل حزب الدعوة في هاتين الهيئتين، لجهة الإضرار بعملهما وعدم محاسبة بعض الفاسدين فيهما.
ثمة شيء جوهري تجدر الإشارة إليه في موضوع "الدعوة"، هو أنه على رغم انعكاسات صراع اجنحة هذا الحزب سلباً على مجمل مفاصل الدولة، إلا أن ذلك، لم يكن في نظر قيادات الحزب وكوادره سبباً كافياً للتوقف عنده، ومحاسبة المسؤولين عنه، وبالتالي انقاذ البلاد من ورطتها الأكيدة. وبدا واضحاً من تجربة الحزب الطويلة في السلطة أنه معني فقط بالمحافظة عليها! 
في تقديري، لم يبرع حزب في العراق بإدارة خلافاته مثلما يفعل الدعوة، وخلافاته بعيدة كل البعد عن التفكير في الأخطاء التي ارتكبها دعاته في إدارة الدولة، لذلك، لم نسمع عن أيّ عضو في هذا الحزب، سواء من القيادة أو من كوادر الحزب الأدنى، من تفوّه ببنت شفة عن تلك الأخطاء الكارثية في العلن، وكل ما ما يزعجهم في "الدعاة" الذين حكموا العراق أنهم لا يستمعون لنصائح رفاقهم الآخرين في الحزب، ومن غير المعروف حجم وأهمية وطبيعة تلك النصائح!
إذن، لماذا على العراق منح ولاية أخرى لحزب الدعوة؟ هل فرغت البلاد مثلاً من أشخاص مؤهلين لذلك ولم يبق إلا الدعاة؟ ما أكثر ما يذكرني هذا المنحى بمن كان لا يرى إلا في حزب البعث وصدام أهلاً لقيادة العراق!
لماذا علينا منح ولاية أخرى لحزب تتطاحن أذرعته فيما بينها، ومناكفات العبادي – المالكي منذ نحو 4 سنوات ماثلة وخير دليل؟!
لماذا علينا منح ولاية أخرى لحزب جلبت له "رئاسة الوزراء" تحديداً، وليس شيئاً آخر، ملايين الأصوات الانتخابية في مقابل قتال بقية الاطراف السياسية للحصول على بضعة مقاعد بـ"كدّ وعرق جبين"، والناس لا عتب عليها لأنها تعتقد أن رئيس الوزراء هو المتفضل والواهب للأموال؟ 
ثم لماذا علينا منح العبادي ولاية أخرى وهو المعروف بتردّده، كما تشيع عنه أوساط الدعوة ذاتها؟
لنسلم بأن الرجل تصرّف بشكل جيد في إدارة الحرب ضدّ داعش، لكن السؤال الأهم: هل فعل العبادي ذلك بمعزل عن الأيادي "الغربية" التي وضعت أيديها بظهره ودفعته دوماً إلى الأمام؟!
لنفترض مرة أخرى، انه فعل ذلك بفضل مؤهلاته الفردية الخاصة، لكن التجارب العالمية تدلنا بشكل لا لبس فيه، الى أن "أبطال الحرب" من الرؤساء، ربما لا يمثلون خياراً مناسباً لأزمنة السلم!
وبعيداً عن النصر الحربي، لابدّ من التساؤل حول الانجازات غير العسكرية التي حققها العبادي. الواقع انه لم يحقق أيّ انجاز يُعتدّ به، سواء على المستوى الاقتصادي أو على مستوى الإصلاح ومحاربة الفساد التي تحدث عنها كثيراً.
الغريب أن الرجل ظل وفياً لسلوك رفيقه السابق في الدعوة ورئاسة الوزراء نوري المالكي بشأن الابقاء على نهج "المناصب بالوكالة".
إن الفرصة التي هيأتها ظروف ما بعد 2003، لحزب الدعوة نادرة وكبيرة، لكن الواضح أنه قد أخفق في استثمارها، فقد سار باتجاه التكلس والفشل منذ سنوات، حتى أن المؤشرات تتجه إلى احتمال تعرّضه الى تصدّع كبير، والمشكلة أنه يريد استمرار كل ذلك عبر ولاية ثانية للعبادي!
موجة التحالفات الانتخابية "الغريبة والمنفرطة" التي دخل فيها الأخير، تترك أكثر من علامة استفهام على سلوك الرجل وطريقة تفكيره وتدبيره.
إذا كان للبلاد أن تبحث عن تغيير ملموس، فيجدر أن تفكر في تغيير حاسم على مستوى عدم منح الحزب الذي قادها من اخفاق الى آخر فرصة أخرى للاستيلاء على منصب رئاسة الوزراء في أقل تقدير، ولابدّ من شخصية حاسمة وشجاعة وغير متكلسة لإدارة المرحلة المقبلة.