الشرق الأوسط وترمب .. عام جديد وقواعد جديدة

استهلت إدارة الرئيس دونالد ترمب العام الجديد بتصعيد كبير ضد إيران، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، في غارة جوية استهدفت سيارته فجر يوم الجمعة الماضي قرب مطار بغداد الدولي في العراق.
والمستهدف فيها ليس مجرد شخص عادي، إنما ثاني شخصية في هرم السلطة داخل النظام الإيراني، وليس من المبالغة في شيء اعتباره الشخصية المحورية، التي تجسد النفوذ الإيراني في الخارج، فقد وصفته صحيفة "الواشنطن بوست" بكونه "واحدا من أهم صناع القرار في السياسة الخارجية الإيرانية".

نهاية العقل العسكري للنظام
كان صاحب اللحية الرمادية الكثة في كل مكان؛ في العراق وفي سورية، حتى أفغانستان وطاجاكستان وأذربيجان، وكان يفضل أسلوب اللعب خلف الكواليس؛ فعلى سبيل المثال كان السند الداعم للرئيس السوري، بعدما أوشك نظامه على الانهيار، حيث قلب المكاسب التي حققتها المعارضة، في الأعوام الأولى للثورة على أرض الواقع لمصلحة نظام البعث الأسدي، أما نفوذه في العراق -بحسب صحيفة "الجارديان"- فبلغ حد اعتقاد البغداديين أنه من يحكم العراق سرا.
يحظى الرجل بوزن في خريطة رجال المرشد، فرغم تواضع مؤهلاته الأكاديمية التي لم تتجاوز الثانوية العامة، إلا أن خبراته العملية والميدانية أهلته ليصبح رقما ثقيلا في معادلة صناع القرار في إيران، وتعد تجربته في سحق تمرد الأكراد المسلح في مدينة مهاباد شمال غرب إيران، بين عامي 1979 و1980، خطوة مفصلية في حياته الوظيفية، عززها بمشاركته على جميع جبهات القتال، في الحرب العراقية- الإيرانية، ما بين عامي 1980 حتى 1988، ليتولى منذ عام 1998 قيادة فيلق القدس؛ خلفا لأحمد وحيدي، الذي يتولى تنفيذ العمليات الخاصة خارج إيران.
أدرج قاسم سليماني على قائمة الأشخاص المفروض عليهم الحصار بسبب الإرهاب، بموجب القرار الأممي رقم 1747 بتاريخ 24 آذار (مارس) 2008، فيما تأخر موقف الاتحاد الأوروبي حتى 24 حزيران (يونيو) 2011، تاريخ إعلان المجلة الرسمية للاتحاد الأوروبي، أن ثلاثة من قادة الحرس الثوري الإيراني أدرجوا في قائمة المشمولين بالعقوبات، لتوفيرهم أدوات لنظام الأسد لغرض قمع الثورة السورية.

سيناريوهات الرد الإيراني
كان قرار قتل سليماني مفاجئا بالنسبة إلى كثير من المراقبين، فاستهداف شخصية من هذه الطينة، يفتح الباب على مصراعيه لعديد من الفرضيات بشأن تطور الأحداث في المقبل من الأيام في المنطقة.
يبدو هذا واضحا من التصريحات التي تتقاطر هنا وهناك داخل إيران وخارجها، بعد انتشار خبر مقتل الرجل، بيد أن الكلام شيء وإمكانات الفعل شيء آخر؛ فإيران المنهكة حاليا بالعقوبات الاقتصادية حدت انتفاضة الشعب بسببها، غير قادرة على خوض مواجهة عسكرية تقليدية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن قرار الحرب المباشرة سيكون انتحارا بالنسبة إلى طهران، وبدا هذا التوجه واضحا في تصريح المرشد، الذي ربط مقتل سليماني باستهداف تيار المقاومة في المنطقة بأسرها.
يفيد هذا ضمنيا أن مهمة الانتقام لمقتل الرجل تقع على عاتق أتباع المرشد في بقاع العالم، ما يوسع من كيفيات ونطاق توقع الرد، فقد يأتي في العراق وسورية وأفغانستان ولبنان والخليج… وغيرها من الدول التي توجد فيها تنظيمات مرجعيتها في طهران، وفيها مصالح حيوية أمريكية. وقد تكتفي طهران بحصر المواجهة في الساحة العراقية، لوجود تفاهم ضمني بين الجانبين، على جعل العراق ساحة لتصفية خلافاتهما، مستهدفين بذلك تراكمات الحراك الشعبي الوطني العراقي الرافض للتبعية الأمريكية والوصاية الإيرانية.

واشنطن غُنم أم غُرم
تحتمل عملية التصفية عديدا من القراءات، لكل واحدة نصيب من الصدقية، متى وضعت في سياقها الخاص؛ فقرار تنفيذ القتل جاء بأمر من الرئيس شخصيا، ما قد يفيد أنه رغب في استثمار التطورات الداخلية لما يحدث في المشهد العراقي، من انقلاب كامل للحاضنة الأيديولوجية، التي كانت هي الداعم الرئيس لنظام الحكم في العراق، الذين يعدون موالين لإيران بشكل كبير جدا. ومن المؤكد أن التبني الأمريكي لها بشكل رسمي منذ الوهلة الأولى، يحمل مؤشرات تفيد مواصلة التصعيد ضد نظام طهران في أفق الإطاحة به، باعتماد سياسة تقليم الأظافر، لكنه في المقابل ينذر بحرب عصابات قد تطول ضد المصالح الأمريكية.