النزيف العراقي يكمل عامه الخامس عشر

 

 

بقلم / عبد الله الأيوبي لصحيفة أخبار الخليج البحرينية

 

مرت بهدوء، وكأنها لم تكن ثاني أكبر كارثة قومية بعد ضياع فلسطين منذ عام 1948. مرت الذكرى الخامسة عشرة لجريمة غزو واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في شهر مارس من عام 2003 وتحويله إلى دولة فاشلة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، إضافة إلى جعله أكبر وكر ومأوى لأخطر الجماعات الإرهابية التي انبثقت من العراق وانتشرت في أرجاء المنطقة كانتشار النار في الهشيم، الأمر الذي يوحي بأن هذا الانتشار السريع وتدفق هذه الجموع الكبيرة من الإرهابيين إلى العراق ودول الجوار الأخرى، يوحي بأن ذلك ليس سوى جزء من أهداف غزو بلاد الرافدين، ذلك أنه وبعد خمسة عشر عاما من غزو العراق واحتلاله، فإن هذا الاحتلال أفرز نتائج خطيرة لم تصب جسد العراق وحده فحسب، وإنما أصابت كثيرا من دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

الحجج التي تذرعت بها الولايات المتحدة الأمريكية وحاولت استخدامها لإقناع الآخرين بالسير وراءها وتأييد عملية غزو العراق وإسقاط النظام السياسي القائم فيه آنذاك، هذه الحجج لم تقنع أحدا حتى في ذاك الوقت، كما أنها لم تعد قائمة بعد أن أثبتت نتائج الغزو أن هذه الحجج ليست سوى غطاء تسترت خلفه واشنطن للمضي في تنفيذ برنامجها البعيد المدى الذي تتعدى أهدافه النطاق الجغرافي والسياسي للعراق، حتى المؤسسات الأمريكية المختلفة بدأت تتحدث علنا عن سقوط الحجج والذرائع الأمريكية، في مقدمتها أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، و«دعم» الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لتنظيم «القاعدة» بقيادة الراحل أسامة بن لادن.

ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق، يعد وفقا لكل المعايير، عملا مخالفا لجميع القوانين والشرائع الدولية، إذ ليس في جعبة الإدارة الأمريكية التي اتخذت قرار الغزو والاحتلال أي مبرر قانوني يعطيها حق الإقدام على تنفيذ هذه العملية، فالعراق لم يتركب أي اعتداء ضد أمريكا ولم يعط مجلس الأمن الدولي أي تفويض لأمريكا كي تقوم بهذا العمل، أي باختصار أن أمريكا لجأت إلى شريعة الغاب ونفذت جريمتها تجاه الشعب العراقي الذي بقي مستمرا في دفع ثمنها حتى يومنا هذا من دون أن تلوح في الأفق المنظور أي بارقة أمل في خروجه من هذه المحنة.

من الناحية النظرية، فقد «أنهت» الولايات المتحدة الأمريكية احتلالها للعراق وسحبت معظم قواتها في عهد ولاية الرئيس الأمريكي السباق باراك أوباما تنفيذا لوعده الانتخابي، لكن من الناحية العملية، فإن الولايات المتحدة هي التي تتحكم في العصب الاقتصادي والسياسي والأمني في العراق، فهذا البلد يعد من الناحية العملية واقعا تحت الاحتلال الأمريكي غير المباشر، فالعراق ليس في وضع يؤهله لأن يرفض الإملاءات الأمريكية ذات البعد الاستراتيجي، فالولايات المتحدة الأمريكية التي أرسلت مئات الآلاف من جنودها لتنفيذ عملية غير قانونية وداست على القانون الدولي واختلفت مع أقرب حلفائها فيما يتعلق بهذه العملية، ليست على استعداد لأن تترك الكعكة العراقية مجانا للآخرين.

فأهم ما تحقق للولايات المتحدة من غزو العراق أنها خلقت عراقا مفتتا منقسما طائفيا وعرقيا، ضعيفا وغير قادر على توفير الأمن لجميع أبنائه، والأهم من ذلك أنها، أي أمريكا، أوجدت عراقا يرفل في مشاكل لا حصر لها تجعله مشلول الإرادة، الأمر الذي يخرجه من دائرة الفعل التي نشط فيها خلال السنوات التي سبقت الغزو والاحتلال، وبذلك فإن المستفيد الأكبر، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، من احتلال العراق، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الكيان الصهيوني الذي وجد في الغزو مكسبا عسكريا وأمنيا كبيرا نظرًا إلى ما كان يشكله العراق من تحد للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية.

على مدى خمسة عشر عاما من عمر الغزو شهد العراق تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة جميعها لم توفر أي مصلحة للشعب العراقي، بل جاءت كلها عكس الوعود التي روجت لها أمريكا وحلفاؤها وأعوانها الذين نصبتهم على سدة حكم العراق، فحقوق الإنسان يجسدها الانتهاك الصارخ لهذه الحقوق من قبل قوات الاحتلال عبر استخدامها أبشع أساليب التعذيب في سجن أبو غريب السيئ الصيت، أما الديمقراطية التي وعدت أمريكا بجلبها إلى العراق فهي ديمقراطية الأحزاب الطائفية والعرقية الشوفينية، أما «العدالة الاجتماعية»، فإن أبهى صورها تجسدها مليارات الدولارات التي سرقت نتيجة تفشي الفساد والمحسوبية داخل المؤسسات الحاكمة، إضافة إلى ذلك كله، فإن الأعوام الخمسة عشر التي تلت الغزو تمثل أكثر الأعوام دموية وفقدانا للأمن والاستقرار على مدى تاريخ العراق.

منذ الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، فإن المنطقة لم تعرف الهدوء السياسي والاجتماعي والأمني، فالاحتلال فتح الأبواب لانتشار التطرف الديني والسياسي وبروز غير مسبوق لجماعات إرهابية تحت مسميات مختلفة توجت بظهور وترعرع ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» بعد ما أحدثه الغزو الأمريكي من فراغ أمني خطير وفوضى سياسية واجتماعية عارمة في العراق أولا ومن ثم في دول أخرى تعرضت لنفس ما تعرضت له بلاد الرافدين، وإن كان بطرق مختلفة، كما نشاهد الآن على سبيل المثال في كل من سوريا وليبيا.

خلاصة، يمكن القول بأن ما أحدثته جريمة الغزو الأمريكي للعراق من دمار وخسائر بشرية ومادية، وتخريب خطير لنسيجه الاجتماعي، يفوق عشرات المرات، إن لم يكن أكثر، تلك الأضرار التي عانى منها الشعب العراقي طوال حكم الرئيس العراقي صدام حسين، وبغض النظر عن القمع السياسي والأحكام القاسية التي فرضت على معارضي النظام من مختلف الأحزاب والانتماءات، إلا أن النظام السابق لم يكن طائفيا ولم يسرق أموال الشعب العراقي لصالح رجالاته وقادته السياسيين، والحسابات البنكية تؤكد ذلك… فأي فائدة جلبها الغزو الأمريكي لشعب العراق؟