صحيفة: العائلات في العراق .. مناصب تجمعها واستئثار للسلطة

في الوقت الذي يشهد فيه العراق حراكاً سياسياً مكثفاً من أجل استكمال استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، يرصد سياسيون عراقيون ومراقبون ظاهرة تغول الأسر الحاكمة في البلاد، والتي تكاد تلغي في بعض الأحيان قرار أو رأي أيّ حزبٍ أو كتلة سياسية. ومن عوارض ذلك، أن أزمة تشكيل الحكومة الجديدة انحصرت منذ أشهر عدة، ببيوتٍ سياسية ممثلة بشخوصها الرئيسية، مع تجاهل أي دورٍ للأحزاب، التي تعطلت اجتماعاتها وندواتها منذ تفشي جائحة كورونا.

احتكار السياسة

وتتصدر المشهد السياسي في العراق اليوم أسرٌ تحتكر عمل الحزب أو التكتل السياسي، بشخص رئيسه وأسرته. ومن أبرز هذه العائلات في بغداد، أسرة نوري المالكي (رئيس الحكومة الأسبق)، الذي صدّر صهريه ياسر صخيل المالكي، وأبو رحاب المالكي، ونجله أحمد، مروراً بأسرة الحكيم، بزعامة عمّار الحكيم، الذي ورث زعامة البيت السياسي من والده، عبد العزيز الحكيم، ومن قبل عمه محمد باقر الحكيم، قبل أن يخرج بتيار سياسي مستقل عن المجلس الإسلامي الأعلى (تيار الحكمة). وكذلك يرصد نفوذ أسرة الكربولي، التي تضمّ جمال الكربولي وشقيقه محمد، والمتحدرة من محافظة الأنبار، وأسرة النجيفي المتمثلة بالشقيقين أسامة وأثيل، التي تسعى لتصدر المشهد السياسي في نينوى، وأسرة علاوي متمثلة بإياد علاوي وأبناء عمه الموزعين بين بيروت وبغداد. ومن الممكن إضافة أسرة العلّاق، التي تستأثر بالمناصب الحسّاسة في المصرف المركزي أو أمانة مجلس الوزراء، وأسرة بحر العلوم، التي يتولى أفرادها مناصب سفراء ووزارات مختلفة، وأسر المطلك والعامري والفياض وغيرها. هذا فضلاَ عن العائلات السياسية الموجودة في إقليم كردستان، حيث تختزل أسرتا بارزاني وطالباني العمل السياسي في الإقليم على الرغم من وجود أحزاب ظاهرة. وحتى على مستوى أحزاب المعارضة، يوجد استئثار للعائلة، فولادة آخر حراك سياسي في الإقليم، مثلا، وهو “الجيل الجديد”، بدا أن زعيمه شاسوار عبد الواحد وشقيقته سروة، وكأنهما الوحيدان في هذا الحراك من خلال ظهورهما الإعلامي.

استئثار أم “لعبة” ديمقراطية؟

ويوضح عضو البرلمان العراقي، أحمد مظهر الجبوري، أن بعض الأسر السياسية في البلاد، تؤثّر في عمل البرلمان والحكومة بشكل يفوق تأثير الأحزاب التي تنتمي إليها، معتبراً في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هذه الظاهرة “موجودة وواضحة للجميع”.

ويشير الجبوري في هذا الصدد، إلى وجود ما بين 10 و12 شخصية مؤثرة منذ بداية العملية السياسية في العراق، منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن (أي منذ الغزو الأميركي)، مؤكداً أن هذه الشخصيات لا تزال تتحكم بالقرار السيادي والسياسي في الحكومات العراقية المتعاقبة. وبرأيه، فإنه “لا يخفى على أحد، أن العملية السياسية في العراق بنيت منذ احتلاله في العام 2003 على أساس حزبي محاصصاتي”، معتبراً أن الوضع في الحكومة الجديدة لن يختلف عن سابقه، إذ ستحافظ الشخصيات ذاتها على تأثيرها”. ويلفت النائب العراقي إلى أن “وجود العوائل السياسية لا يتناسب مع الديمقراطية، في ظلّ هيمنة واضحة من قبل بعض الشخصيات”، واصفاً الأداء السياسي لبعضها بأنه “لم يكن بالمستوى المطلوب”.

في المقابل، يبرّر القيادي في “الحزب الديمقراطي الكردستاني” (حزب مسعود بارزاني)، ماجد شنكالي، وجود العائلات السياسية في العراق ربطاً بالتاريخ الذي تمتلكه، قائلاً إن “الأسر التي لها باع كبير في السياسة العراقية، مثل عائلات بارزاني والحكيم وطالباني، لديها ثقلها داخل أحزابها، وكذلك في إطار العملية السياسية، وتملك تأثيراً في البرلمان من خلال العدد المهم من النواب الذي تقدمه”.

ويقدم شنكالي، وهو نائب سابق في البرلمان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أمثلة على ذلك، لافتاً إلى أن “عمار الحكيم (تيار الحكمة) لديه 19 نائباً، والحزب الديمقراطي الكردستاني لديه 25 نائباً، كما يمتلك الاتحاد الوطني الكردستاني 21 نائباً، بينما لدى مقتدى الصدر (زعيم “التيار الصدري”) أكبر قوة شعبية مؤثرة في الشارع، والتيار الصدري هو التيار الأكثر مركزية في العراق، وله تأثير كبير داخل البرلمان وخارجه”، مؤكداً “استمرار تحكم أولئك الذين أسسوا العملية السياسية في البلاد في مجريات الأمور، لكن حكمهم بدأ تدريجياً بالتراجع في ظل ظهور جيل سياسي جديد”.

ويرى شنكالي أن الديمقراطية العراقية لا تزال في طور النضوج، معتبراً أن تأثير أحزاب مهمة كان لها باع كبير في المعارضة لسنوات، لا يمكن أن يتغير، ما لم يحدث انتقال في قانون الانتخابات، أو من خلال تطور المجتمع. ويوضح في هذا الخصوص، أن الديمقراطية لا تنحصر فقط في إجراء انتخابات، بل هي خليط من حرية التعبير والنزاهة والشفافية والمصداقية مع تحقيق الأغلبية السياسية داخل البرلمان، “لكننا ما زلنا نتطور ببطء، وأحيانا لا نتقدم بل نعود الى الوراء”.

وترى عضو البرلمان، آلا طالباني، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن حكم الأسر السياسية في العراق بدأ يقل تدريجياً، على الرغم من استمرار وجود شخصيات متنفذة، يقومون بفرض آرائهم في الكثير من الأحيان، معتبرة أن “هذه الظاهرة لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها”. وتلفت طالباني إلى “ظهور معادلات جديدة في الساحة العراقية، فالعراق اليوم ليس عراق تشكيل أول حكومة، بل يمرّ بحالةٍ جديدة، وقد يكون هناك شخص أو شخصان أو أكثر يفرضون إرادتهم باسم عائلة، لكن تأثيرهم بشكل عام تراجع، وأصبح أقل حضوراً، لاسيما مقارنةً بالدورات البرلمانية السابقة”.

أما لجهة المسار الديمقراطي، فتعتبر طالباني أن هذه الظاهرة مؤثرة بالتأكيد، لأن الحكم يجب أن يكون ديمقراطياً قائماً على أساس إرادة الشعب، ما يستوجب أن تبدل الأحزاب من قياداتها ووجوهها التقليدية القديمة، وأن تخرج قيادة تمثل تطلعات الشعب بشكل حقيقي من خلال إفساح المجال للجيل الجديد. وفي هذا الصدد، لا تخفي عضو البرلمان مواصلة بعض الأحزاب التمسك بأسمائها، “إلا أنها ستضطر عاجلاً أم آجلاً للاستعانة بأسماء جديدة”.

ظهور الخلافات

وفي الوقت الذي لا تزال تحافظ فيه بعض العائلات السياسية على تماسكها ومناصبها وتأثيرها داخل أحزابها، مثل أسر بارزاني وطالباني والحكيم والمالكي، تخرج إلى السطح الخلافات التي تحوم داخل أسر سياسية أخرى.

وبدا الخلاف واضحاً داخل أسرة علاوي، التي ينتمي إليها رؤساء وزراء ووزراء وبرلمانيون وقادة أحزاب عراقيون، وذلك بعد الانتقاد الشديد الذي وجهه زعيم ائتلاف “الوطنية”، إياد علاوي، لابن عمه محمد توفيق علاوي، لقبوله سابقاً بالترشيح لرئاسة الوزراء، بدعمٍ من قوى مقربة من إيران.

كما تباينت أخيراً المواقف السياسية بين رئيس حزب “الحل”، جمال الكربولي، وشقيقه القيادي في حزب “تقدم”، المنضوي ضمن تحالف “القوى العراقية”، محمد الكربولي، بشأن المشاركة في الحكومة الجديدة برئاسة الكاظمي. ففي الوقت الذي أكد فيه حزب جمال الكربولي أنه لن يشارك في الحكومة، يطالب شقيقه محمد باستحقاق تحالفه في الحكومة المرتقبة.

وخلال الأيام الماضية، تبنت قناة تلفزيونية فضائية وإذاعة تابعتان لجمال الكربولي، خطاباً مؤيداً لـ”تحالف المدن المحررة” الذي تشكل أخيراً، وطرح نفسه ممثلاً للمحافظات الشمالية والغربية، ويضم نوابا منشقين عن تحالف “القوى العراقية”.

وتعليقاً على هذه الخلافات، يرى المحلل السياسي حسان العيداني، أن المناصب التي جمعت بعض الأسر، كانت السبب في تفريق أخرى، مؤكداً في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هذا الأمر ليس غريباً على السياسة العراقية، التي سبق أن تسببت بصراعات بين الأخوة والأقارب من أجل السلطة على مرّ التاريخ. ويرى العيداني أنه “أياً كانت العلاقة بين الأسر الحاكمة في العراق، فإن مجرد وجودها يؤشر على خللٍ لا بد من إصلاحه”، مذكّراً بأن الديمقراطية “تعني معاملة العراقيين على أساس المواطنة لا الانتماءات”.

ويوضح المحلل السياسي العراقي أن هذه الظاهرة، والجوانب السلبية الأخرى المرتبطة بها، كالمحسوبية والتحكم ببعض المؤسسات، تسببت بالإرباك للمؤسسات التي هيمنت عليها، مؤكداً في المقابل أن المعالجة صعبة جداً وتتطلب وقتاً طويلاً، نتيجة لقيام هذه الأسر بتأسيس “دويلات عميقة” داخل الوزارات وبقية أجهزة ودوائر الدولة، تضمّ الأقارب والمقربين والمحسوبين على أحزابها.